دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شكرا لمروركم لا تنسوا متابعة المدونة ومشاركة نصوصكم على صفحاتكم ومواقع التواصل كافة

د.عز الدين أبو صفية يصور : القطار .

 


يعمل الدكتور بهجت مديراً لمستشفى السعادة للمرضى النفسانيون والذين يعانون من مشاكل دماغية تؤثر في سلوكهم وحياتهم وامكاناتهم الذاتية والفكرية والاستيعابية وتسبب لهم اضطرابات حركية وسلوكية مما يجعل ذويهم القيام بإرسالهم للمستشفى للعلاج والبقاء فيه لاحتواء عنف سلوكياتهم والعمل على تهدئتهم وعلاجهم بمختلف الوسائل الطبية و العلاجية وكان يشرف على كل ذلك الدكتور سلامه والذي يشغل منصب نائب مدير المستشفى ويساعده طاقم كبير من الأطباء المتخصصون في مختلف الشؤون الصحية ذات العلاقة بهذه الفئة من المرضى؛ وهناك طاقم من الممرضين والعمال يمارسون مهام خاصة ومختلفة تعمل على تهدئة المرضى ومتابعة سلوكياتهم ومحاولة الاندماج مع تصرفاتهم التي نتجت عن مشاكل واحداث تعرضوا لها أدت بهم إلى هذا السلوك المرضي.
تختلف فئات المرضى وأسباب أَمراضهم النفسية و العقلية  ، فمنهم من كانوا جنوداً وضباطاً مع قوات الجيوش وخاضوا حروباً وعايشوا ظروف الحرب  وقصف المدافع و الطائرات فأصيبوا بهستيريا الحروب  مما أثر على سلوكهم وتصرفاتهم حيث كانوا يشعرون بأنهم لا يزالوا يخوضوا المعارك فيما يمارسون الصراخ بأصوات تشبه أصوات القذائف ويصدرون التعليمات العسكرية وكأنهم في ساحة القتال .
وفئات أخرى ممن عاشوا تجارب حب فاشلة ولم يتمكنوا من الزواج بمن أحبوهم لأسباب مختلفة أثرت سلباً على نفسياتهم وعقولهم فيظل سلوكهم ينتابه الصراخ أو الصمت أو الحديث مع من أحبوهم وهم يتوهمون بأنهم يرونهم فيكون حديثهم بأصوات مختلفة تارة وبالإشارة بأصابع اليد تارة أخرى   ،  وفئات أخرى من الموظفين في القطاع الحكومي والقطاعات الخاصة مورس بحقهم من قبل مسؤوليهم قهراً وقسوةً وظلماً لفترات طويلة أدى بهم لحالات من الجنون وفقدان الذاكرة ، وهناك العديد ممن عملوا في مجالات فنية مختلفة من غناء وتمثيل وغيرها وتعرضوا للفشل أو عدم استمرارهم في النجاح وبالتالي للإفلاس وفقدوا محبيهم ومعجبيهم وأصبحوا لا يستطيعون تأمين لقمة العيش فأصابهم الهم والغم والاكتئاب النفسي والذهان العقلي والهروب من واقعهم الجديد من خلال محاولاتهم النسيان. 
 وآخرين من المرضى من أصابهم الهوس نتيجة سعيهم للعلاج من حالات كبت أو أزمات نفسية على يد مشعوذين وسحرة بذريعة أنهم مصابون بمس من الجن فيتعرضون لوسائل مختلفة من الضرب والإهانات و الشتائم من قِبل المشعوذين الذين يدعون بأن كل تلك الوسائل موجهة ضد الجان الذي يسكن الجسد بحجة إجباره على الخروج من جسد المريض،  ولكن في معظم تلك الحالات أصيب المرضى بحالات من الهستيريا والخروج من دائرة الوعي وفقدان الذاكرة. 
كثيرة هي الحالات المرضية النفسية و العقلية المختلفة الدرجات في هذا المستشفى  فكانت إدارة المستشفى تنظم لهم ساعات خروج من عنابر الرقود والنوم لقضائها في ساحة المستشفى حيث كانوا ينتشرون فيها على شكل تجمعات كلٍ منهم يمارس حياته كما كان قبل مرضه  وكان يطغى على سلوكهم و حديثهم ما يؤكد على أنهم مرضى وغير أسوياء.
كان الحاج عبسي احد نزلاء المستشفى بعد أن تعرض لحادث مروع أثناء ممارسته لعمله كسائق لأحد القطارات أدى به لإصابات مختلفة في كافة أنحاء جسده فنقل  لمستشفى جراحي متخصص وبعد شفائه اتضح بأن نتيجة تهتك في أجزاء من دماغه فقد الذاكرة ولم يعد يتذكر أيٍّ من أهله أو حتى زملائه في العمل، ولكنه ظل يتذكر أهم شيء مارسه وعمله لمدة زادت عن الخمس وعشرون عاماً وهو عمله كسائق قطار ، وبعد نقله لمستشفى الأمراض العقلية ظل يمارس تلك المهنة في ساحة المستشفى وبفمه صافرة ينفخ بها لتصدر أصواتاً كأصوات القطار ويقوم بالمرور على جميع النزلاء المرضى ويدعوهم للركوب في القطار الذي يتوهم بأنه يقوم بسياقته فيلبى دعوته الكثير من النزلاء ويقوم بالدوران بهم في الساحة لساعاتٍ طويلة  وكان الدكتور سلامة نائب مدير المستشفى يركب معهم القطار الوهمي بغرض التقرب للمرضى ليسهل عليه فهم نفسياتهم و سلوكياتهم ومن ثم علاجهم و التخفيف عنهم .
استدعى الدكتور بهجت مدير المستشفى نائبه الدكتور سلامة وبدى عليه الغضب والتوتر ويخبره بأن أكثر من مئة وعشرون نزيلاً من المرضى غير موجودين فقد هربوا من المستشفى وأمره بأن عليه الخروج من المستشفى للبحث عنهم واحضارهم لخطورة تواجدهم بالخارج وحمله مسؤولية ذلك .
انطلق الدكتور سلامة برفقة خمسة من مساعديه وبدأوا بالبحث في الشوارع المحيطة بالمستشفى وبعض الأحياء التي تبعد عنه ،  فتمكنوا من العثور عليهم جميعاً في أحد تلك الأحياء وعندما شاهدوه بدأوا في التهليل والتعبير عن فرحتهم بوجود الدكتور سلامة معهم قد يكون ذلك ظناً منهم بأنه متضامن مع هروبهم من المستشفى  .
فكر الدكتور سلامة ملياً ليجد الوسيلة التي يمكن له بها إعادتهم للمستشفى بدون ما يتسبب ذلك بإزعاج الناس فاهتدى إلى التوجه إلى الحاج عبسي سائق القطار وطلب منه أن يُسلمه صافرته وقرر أن يمارس مهنة سائق قطار فبدأ بالصفير وهو يطلب من الجميع بالركوب إلى القطار الوهمي الذي يقوده  فالتحق به جمع المرضى الهاربين  وسار بهم حتى وصلوا إلى داخل المستشفى جميعهم  وبعد ذلك ذهب إلى مدير المستشفى وأخبره بإنجاز المهمة بسلام  فشكره.
بعد ساعة من الزمن استدعى مدير المستشفى الدكتور سلامة وطلب منه أن يفسر له سبب زيادة عدد من أعادهم من المرضى الهاربون بما يزيد عن المئة شخص غير نزلاء !
قال له لا أعلم عن السبب  ولكن قد يكون السبب في ذلك معاناة الناس ممن يسكنون الأحياء الفقيرة والمهمشة و يرغبون  بحياة أفضل فاختاروا ركوب القطار.

عن الكاتب

قادح زناد الحروف

التعليقات

طباعة ونشر وتوزيع ، ظهور إعلامي ، ورش أدبية
اشترك بالعدد الجديد من مجلة القلم الورقية للتواصل والاستعلام / 0020102376153 واتساب

اتصل بنا 00201023576153 واتساب

شاركونا الإبداع

جميع الحقوق محفوظة

دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع