دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شكرا لمروركم لا تنسوا متابعة المدونة ومشاركة نصوصكم على صفحاتكم ومواقع التواصل كافة

من الذاكرة الشعبية مقصة مشعل بقلم علي الشافعي

تحتفظ الذاكرة الفلسطينية ــ أيّها السادة الأفاضل ــ في موروثها الشعبي بقصة من أروع القصص وأشهرها، هي قصة مشعل، حيث كتبت فيها قصص وروايات ,وتناقل الناس ما كان يدور في المجالس عنها من أسمار وأشعار وحكايات عن شاب أسمر مفتول العضلات , قوي الساعد، ممشوق القامة, مرفوع الهامة , يعشق الأرض ويبذل روحه في الدفاع عن العِرض. تعود القصة إلى بدايات القرن الفائت (العشرين) وبالتحديد أيام الحرب العالمية الأولى. 

 مشعل فلّاح فلسطيني فقير عاش يتيماً في بيت عمه ، يحرث ويزرع ويحصد ويرعى الماشية . أحبّ ابنة عمه عائشة حباً شديداً، ووعده عمه بالزواج منها نهاية الموسم، فكان مشعل دائماً يغني لها الأغنية الشعبية المشهورة: 
ليّا وليّا يا ابنيه       يا واردة عالمَيَّة
أمك وأبوك قالوا لي     بدهم يعطوك ليّا
وكانت هي تغني: 
بالهيل يا عود القنا بالهيل          مشعل وربعه راكبين الخيل
مشعل يا زين الحارة           يا بو زنود جبارة
تمنيت أكون لك جارة           ما أحيد عنك أشكرا
انتهى الموسم فنفّذ العم وعده , فتزوج مشعل من عائشة، وازداد حبه لها , فكان إذا رافقته إلى الحقل يسير جهة الشمس ليظللها. وكانت هي تحمل معها منديلاً تجفف به عرقه، وتشمه وهي تقول: الله! أشم فيه رائحة المسك والعنبر. 
لكنّ أيام السعادة لا تدوم، فقد قامت الحرب العالمية الأولى، وأجبِر مشعل على الذهاب إلى القتال مع الدولة العثمانية ضدّ جيوش الحلفاء. اشتهرت هذه الرحلة باسم السفربرلك، وهي كلمة تركية تعني السفر الطويل في البر. 
انتهت الحرب وعاد مشعل لبلدته، فوجد الإنكليز قد احتلّوها وصادروا أرض عمه، وأقاموا عليها مستعمرة يهودية. فاضطر مشعل للذهاب إلى حيفا للعمل في الميناء , وهناك اكتشف العمال الهجرات اليهودية، وتهريب السلاح لعصابات الهجانا (وهو أوّل فصيل يهودي محارب). اشترك مشعل بإضراب الميناء الشهير،

الذي كانت نهايته طرد كلّ العمال العرب. فعاد إلى بلدته وقرر الالتحاق بصفوف الثوار، فاضطر إلى بيع أساور عائشة، واشترى فرساً وبندقية وقاتل الإنكليز واليهود حتى استشهد. 
هذا أعزّائي هو مشعل الفلسطيني القديم. أمّا مشعل الحديث فقد ألقى البندقة، وباع الفرس, وكسر نصل سيفه وباعه خردة , وعمّر القصور , وأحضر الخدم والحراس وعاش قرير العين هانئا . وقد تجد الآن من المشاعل من يجلس في بيته ويطلق عائشته للعمل. وينتظر راتبها ليبدده على ملذاته. ولا ينسى أن يقتني أحدث الاجهزة الخلوية، ليمضي ليله على الفيسبوك والوتساب، بينما تلقي عائشة بنفسها بجواره مثقلة بأعباء العمل والبيت والأطفال، ثم لا تلبث سوى قليلا حتى تغطّ في سبات عميق، لتجد نفسها بعد فترة على قارعة الطريق، لتحلّ محلها عائشة أخرى إلى حين.
في ذلك الزمان باع مشعل القديم أساور عائشة ليحمي ضفائرها، أمّا اليوم: فتجد من يبيع عائشة ويأخذ أساورها. فهمكم كفاية, طابت أوقاتكم.

عن الكاتب

قادح زناد الحروف

التعليقات

طباعة ونشر وتوزيع ، ظهور إعلامي ، ورش أدبية
اشترك بالعدد الجديد من مجلة القلم الورقية للتواصل والاستعلام / 0020102376153 واتساب

اتصل بنا 00201023576153 واتساب

شاركونا الإبداع

جميع الحقوق محفوظة

دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع