صبارين ــ أيها السادة الافاضل ــ إحدى القرى الفلسطينية في ريف الشمال الفلسطيني , والشاهدة وأهلها على وحشية العدو وعصاباته المتعطشة للدماء , حيث تعرضت البلدة بكاملها لآلة الدمار والبطش الهمجي الصهيوني .
صبًارين (وتلفظ بفتح الصاد وتشديد الباء) كبرى قرى منطقة الروحة الاثنتين والثلاثين واللواتي دمرن بالكامل , فقتل من قتل وشرد من شرد وتشتتوا في البلدان , تقع صبّارين إلى الجنوب من مدينة حيفا عروس البحر المتوسط ، في الربع الجنوبي لجبل الكرمل , على بعد 28 كم عن المدينة , يرجح أن اسمها جاء من نبات الصّبر( التين الشوكي) الذي يكثر في أرضها , لذلك كان الناس يطلقون عليها أحيانا واختصارا اسم (صبرة) .
ما نشر من مسح أثري حول القرية يقول : هي من زمن الرومان , حيث سميت صباريم أو قتارهم , والدليل على ذلك بئر البلد الذي أقيم على رأس قناة رومية كانت تنقل الماء إلي قيصرية ( قيساريا ) 38 كم جنوب حيفا وهي من أقدم مدن فلسطين , اتخذها الرومان حصنا لهم في عهد أغسطس قيصر , وهو الذي سماها قيصرية .
إبان الحروب الصليبية : وصل صلاح الدين إلى منطقة الروحة في 25آب 1191م وعن ذلك يقول قاضيه المؤرخ ابن شداد: "ولما كان صباح الثاني من شعبان رَحَّلَ السلطانُ الثقلَ ( الجيش) وأقام هو يترصد أخبار العدو أتى قرية يقال لها (الصبّاغين ) فجلس يترقب أخبار العدو ، ولا ندري هل كان فعلا اسمها صباغين أو حصل تصحيف , فصباغين هي صبارين.
أما الصليبيون فاطلقوا عليها اسم صبّاريم أو صَباريم دون تشديد الباء . في الخارطة الصليبية تظهر أسماء قرى وقلاع صغيرة للصليبيين في منطقة الروحة ؛ في صبارين (صباغين)، برواكيه (بريكة) وكفرونا(الكفرين)، ودفيس(خربة دفايس بجوار السنديانة) .
القرية تمتد على طرفي واد يسمى وادي التين , الذي يعبرها من الشمال إلى الجنوب , وهو رافد من روافد نهر الزرقاء( التماسيح) الذي يصب في البحر المتوسط عند قرية جسر الزرقاء في فلسطين المحتلة) . وكانت لصبّارين طرق فرعية تصلها بطريق حيفا - جنين العام . وبالطريق العام الساحلي . تقع على تل يرتفع 100 م فوق سطح البحر، كانت تتبع إداريا فترة الانتداب البريطاني لقضاء حيفا, مناخها هو مناخ البحر المتوسط , معتدل صيفا , دافئ شتاء بهطول مطري وفير يصل حوالي 800ملم
ضمت ولاية الروحة ــ كما كنت تسمى في العهد المملوكي ــ 32 قرية أشهرها قرية صبّارين والسنديانة , وقد هجّرت غالبية تلك قرى إثر الاعتداء الصهيوني المباشر عليها , والمجازر التي ارتكبت في بعض قراها مثل صبارين , أم الشوف , اللجون , أبو زريق . وقد كان الهجوم الأكبر على صبارين كونها كبرى قرى المنطقة .
بلغت مساحة القرية عام 1945 (179) دونماً , وعدد بيوتها قرابة500 بيت مبنية من الحجارة والطين على غرار البيت الفلسطيني (أبو القناطر أو العقد) . وكان فيها مدرسة ابتدائية للبنين , ومسجد وسوق , ولها باص يربطها بمدينة حيفا . وبلغت مساحة أراضيها الزراعية في فترة الانتداب البريطاني , وحسب الموسوعة الفلسطينية 33الف دونم , بلغ عدد سكانها عشية النكبة قرابة 2000 نسمة منهم 30 نصرانيا , وليس لليهود فيها موطئ قدم .
اشتهرت صبّارين بزراعة الحبوب والبقول بأنواعها , والمحاصيل الصيفية كالبطيخ والذرة والبندورة والخيار والكوسا ، واشجار البستنة كالزيتون والتين، والتين الشوكي (الصبر) والرمان والعنب, وكذلك عني السكان كثيرا بالثروة الحيوانية, نظرا لوفرة المراعي حول القرية.
وتشتهر القرية بعيون الماء الكثيرة المتدفقة فيها ، ومنها عين البلد وعين الحجة في شمالها ، ومجموعة عيون وادي الزيوانية وعين أبي حلاوة وعين الفوار في الشمال الشرقي ، وعين البلاطة وعين أبو شقير في شرقها ، وعين العلق في جنوبها الشرقي وعين الخضيرة في جنوبها. هذه الينابيع الطبيعية كان السكان يستخدمونها لري المزروعات ؛ بينما استخدموا البئر الكبير( بئر البلد) للشرب , وهو بناء قديم إلى الغرب من القرية , وكان به أربع فتحات تسمى الواحدة (روزنا) . وهو رأس القناة الرومانية التي كانت تحمل المياه إلى قيصرية (قيساريا) , ويستمد مياهه من الينابيع الواقعة حول البلدة .
للبيادر في حياة أهل القرية دور كبير ففيها يجتمع الناس في مناسباتهم وأعيادهم وأعراسهم , فتنصب الخيام وتوقد النيران وتقام الولائم وتعقد حلقات السمر , وتصدح الحناجر بأعذب ألحان التراث . والبيدر ساحة واسعة وسط القرية متعددة الأغراض, فإليه تنقل الغلة حيث تدرس وتذرّى ثم تنقل إلى البيوت . فتوضع في الخوابي ، وهي أماكن مبنية من الطين ، وفيها فتحات علوية كبيرة ، يصعد لها بسلم خشبي لتخزين المحصول ,وفتحة صغيرة من الأسفل لإخراج كميات صغيرة منها حسب الحاجة .
يفتخر أهل صبارين كغيرهم من أهل القرى الفلسطينية بالطراز المعماري , الذي كانت عليه بيتهم عند اللجوء . لذلك سأكون دقيقا في وصف البيت الريفي الفلسطيني كما عاينته , ليتعرف عليه من لم يره , وخاصة الجيل الجديد من أبنائنا الذين ما عرفوا غير البيوت المُصَندقة . ثم ليعرفوا أننا تركنا بيوتا كبيرة فريدة الطراز , وليست أكواخا متهاوية كما يصفها المحتل أبدلتنا وكالة الغوث خيرا منها .
يقام البيت الفلسطيني عادة حول ساحة واسعة (البيدر) , في إحدى زواياها دارة المختار , والمسجد والمدرسة , وحولها بقية البيوت ؛ بحيث تطل بوابات أحواشها على الساحة , وخلف كل بيت قطعة من الأرض صغيرة مسيجة بالسناسل الحجرية , لغايات الزراعة المنزلية تسمى (الحاكورة) , وإذا ما توسّعت القرية تبنى حارة أخري بنفس المواصفات, فتصبح القرية عدة حارات , ولكل حارة مختارها , فهناك حارة شرقية وحارة غربية , وحارة وسطى وشمالية وجنوبية وهكذا, حسب حجم القرية وتوسُّعِها , وأكبرُ المخاتيرِ سناً يُطلقُ عليه لقب (مختار البلد), وعنده تحفظ عقود الزواج والطلاق وشهادات الميلاد والطابو وغيرها .
للبيت الفلسطيني نموذجان مأخوذان من فن العمارة العربية الإسلامية , التي تتجلى في بوابات بيت المقدس ذات الأقواس الجميلة والنوافذ المزركشة . النوع الأول ما يطلق عليه البيت (ذو القناطر) والثاني (العَقْد) , والبيت ذو القناطر لمن لا يعرفه بيت كبير عرض كل جدار من جدرانه قرابة المتر , حيث يبنى بطريقة حجرين متقابلين بينهما حجارة صغيرة وطين , وارتفاعه حوالي خمسة أمتار وربما أكثر , والقناطر هي أقواس من الحجارة لتركيب السقف عليها بأسلوب معماري غاية في الدقة والإتقان . أما العَقد فبنفس الموصفات , لكن تكون له أربع زوايا ترتفع فتلتقي على شكل جملون من الداخل بارتفاع حوالي خمسة أمتار , وعليه قبّة من الخارج .
بدا هجوم العصابات الصهيونية على القرية صبيحة يوم 12 أيار 1948 بعد أن حاصروها من ثلاث جهات , وتركوا الجهة الشرقية مفتوحة لهروب الأهالي , بدا الهجوم بقصف عشوائي بالمدفعية والأسلحة الرشاشة, قاوم المسلحون من أبناء القرية لكن سرعان ما غلبت الكثرة الشجاعة , فقتل منهم من قتل , وهرب من هرب , أما ما تبقى فيها من العجزة والمرضى فقد جمعهم اليهود بعد دخول القرية في مخزن للتبن , وكانوا حوالي 60 , ثم أضرموا النار فيه, يقول بعض الذين تسللوا إلى القرية ,وهم شاهدون اليوم على ما رأوا بأم أعينهم : أنهم أحصوا 80 جثة نهشت الكلاب الضالة بعضها بشكل طمس هويته . على إثر هذا الهجوم، نزح معظم سكان القرية من الجهة الشرقية التي فتحها المهاجمون عن قصد ليمكنوا السكان من ترك المكان . أما من لم يستطع منهم من العجزة والمرضى وكبار السن فقد جمعهم المهاجمون في وحرقوا عليهم المتبن".
أما المهاجمون فيعترفون بتجميع من تبقى من سكان القرية في "محبس" لبضع الوقت ثم طردهم بعد ذلك في اتجاه أم الفحم . في شهادة لموشيه نير(نحشون) قائد الهجوم قال : " عند تسلمنا الأوامر بمهاجمة صبارين، أعطيت فرقتي أمراً بالتحرك على شكل كتائب يؤمنها في المقدمة بعض قصاصي الأثر وبعض الخلايا من الجناحين . تقدمنا نحو صبارين وقد أمّن تقدمنا فرقتان وسيارة "جيدي" المدرعة التي كان فيها مدفع رشاش ووحدة مسلحة بالبنادق. أظهر العدو مقاومة من جهات مختلفة، وخاصة باتجاه الوحدة التي تقدمت في الأرض المكشوفة، لكنه فوجئ من نيران الأسلحة الرشاشة والبنادق التي وجهت نحوه من الأجنحة والفرق التي سيطرت على التلال المشرفة على القرية. أثناء التقدم تم تكبيد العدو خسائر فادحة وصلت إلى أكثر من عشرين قتيلاً، وقد أصاب سكان القرية الرعب والهلع وبدأت عملية هروب جماعية، عندها بدأت السيارة المدرعة بمطاردة الهاربين وإمطارهم بالنار الشديدة لمنعهم من الرجوع إلى قريتهم". قائد اخر هو أبراهام بندوري الذي تسلم قيادة القرية بعد الظهيرة يقول في مذكراته بأن احتلال صبارين انتهى الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقد تحدث عن وقوع 80 قتيلاً من سكان القرية و300 أسير، في حين ذكر بأن إجلاء الأسرى كان في تمام الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم .
يتواجد معظم اللاجئين منها في مخيمات الشتات طولكرم نور شمس وجنين وإربد ومدينة الرصيفة وبعضهم يتواجد في قرى الفريديس وعرعرة والناصرة وبرطعة وباقة الغربية.
الزائر لموقع القرية اليوم يشاهد أساسات المدرسة وشجيرات السرو المحيطة بها , والمقبرة وبقايا البئر ومصادر المياه ,وقد أقام المغتصبون على أرضها مستعمرتين عمكام و رموت منشيه . كما أقاموا على حدودها مزرعة أبقار يطلقونها في نواحي البلدة .
أقول أيها السادة الأفاضل : وعد الله آت, النصر قريب وصبر ساعة , يرونه بعيدا ونراه قريبا , وسيهزم الأحزاب ويولون الدبر . طابت أوقاتكم .
بقلمي :علي محمود الشافعي

شكرا لمروركم لا تنسوا متابعة المدونة ومشاركة نصوصكم على صفحاتكم ومواقع التواصل كافة