دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شكرا لمروركم لا تنسوا متابعة المدونة ومشاركة نصوصكم على صفحاتكم ومواقع التواصل كافة

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي وقد كان .. قصة من الذكريات

كانت أول تجربة لي ــ يا دام سعد أبنائكم ــ مع السيجارة في بداية مرحلة المراهقة ,أذكر أنني كنت في الثانية عشرة من عمري الجميل , وتعرفون أن الأولاد في هذه المرحلة العجيبة لهم حماقاتهم , فهم أحيانا يريدون ممن حولهم على أن يعاملوهم معاملة الكبار وأحيانا معاملة الأطفال , أحيانا عفاريت وأحيانا ملائكة , عهد الجنون والشيطنة وعدم الاستقرار , أظنني كنت في الصف السابع, بداية تحرري اليومي ولو قليلا من دكتاتورية البيت واوامر الوالدة وقائمة الممنوعات , يسمح العرف في هذا السن الخروج إلى البر بحجة المذاكرة , نظرا للضجة وصخب الاطفال في البيت , فاعتاد الناس في القرى أن يسمحوا لأبنائهم التغيب قليلا عن انظارهم , ولو لساعات معدودة استعدادا للاعتماد عليهم في قضاء المشاوير البعيدة .

في ربيع تلك السنة وصل إلى المدارس تعميم من وزارة الزراعة لحث الطلبة على صيد ملكات الدبابير التي هي خطر على خلايا النحل , اذ تهاجمها وتفتك بها , وهذا هو موسم خروج ملكة الدبابير للتزاوج , مع بذاية شهر آذار تقريبا مما أوجد عندنا عذرا آخر نقدمه للأهل للخروج من البيت .
بحكم معيشتنا في القرى نعرف مكان تواجد الدبابير , بل وأعشاشها , لكن نريد الملكة فقط , والملكة بعشرة قروش في زمن التعريفة يا سيدي , فوالدي كان يعمل من مصابيحها إلى مماسيها ب25 قرشا , و من يعمل للظهر يتقاضى 15 قرشا . خرجنا وتوجهت كل فرقة من الاصدقاء الى الغدران ومجامع المياه التي خلفتها الامطار على كثرتها , كنا خمسة أصدقاء بيننا ودّ كبير , نتعاون في الصيد , ونتقاسم صيدنا الثمين.
في احد الأيام ــ يا سادة يا كرام ــ أخرج طالب أكبر منا بسنة مجموعة من لفائف الدخان , نعرفها جيدا فاغلب ابائنا مدخنون , وفي منطقتنا نزرع التبغ , أظنه سرقها من علبة والده , ووزعها علينا وهو يقول 🙁 خذها أو تخاف أمك , أم بعدك صغير )؟ لا تخافوا سنتناول حبات من البرتقال بقشرها فهي تخفي الرائحة , مثل هذا الكلام لا يترك لك الخيار في القبول أو الرفض, وللأمانة جميعنا كان يحب أن يطلع على هذا الممنوع على الصغار ومسموح للكبار , نشم الرائحة ونرى آباءنا وهم يستمتعون بالنكهة ,
أشعلنا السجائر وأخذت أسحب النفس الأول أحسست وكان الأرض تدور بي, فجلست أرضا لكنه شعور جديد يختلط به شعور التحدي والاستكشاف بالخوف من اكتشاف امرنا , فيكون ذلك وبالا علينا , وحرمانا من الخروج كما حصل مع ابن حارتنا عزمي ,الذي قبض عليه والده متلبسا في الحقل فضربه وحرمه من الخروج والمصروف فترة طويلة تأديبا له , أحسسنا باننا كبرنا فاتفقنا يومها أن نكرر الفكرة , ثم طورناها بعد ذلك بان يجمع كل منا قرشا في نهاية الاسبوع نخرج ونشتري علبة سجائر , أظن كان اسمها سلوي أو سمر بفلتر ,بأربعة قروش ونصف وبالتعريفة علبة ثقاب .
وبعد أن جاء الاحتلال نزح بعض الأحبة , وزاد الانفلات ووجدنا أغلب أصدقائنا خارج أسوار المدرسة ,نازحين أو عاملين في المستعمرات القريبة براتب يومي أكثر من راتب آبائهم في الضفة الفلسطينية المحتلة , فتعرفنا على انواع جديدة وكثير من السجائر , هذه بشائر ما فعله الاحتلال , ودارت الايام
اذكر يوما لا انساه كنت في البيت بعد صلاة العصر في الثانوية العامة , أراجع الدروس , ولا أدري أي شيطان سهّل وهّون لي الأمر, فأغلقت باب الغرفة قليلا وفتحت النافذة , ووقفت عليها وأشعلت سيجارة دون الانتباه الى مدى انتشار رائحتها في ثوان , وما هي إلاّ مجّة أو مجتين لأجد الوالدة رحمها الله وقد دخلت متوترة معربدة اتريد ان يقال اب فلانة هامل ,واخذت تكيل لي الشتائم من كل حدب وصوب وكأني انا ممن سلم فلسطين لليهود , وما أن حتى وصلتني حتى تناولتني بكف اسقط السيجارة من يدي , فدستها بقدمي واخذت اعتذر منها واعد ان لا اكررها , ثم انتهت بتهديد ان تكرر ذلك ان تعلم الوالد فتعهدت لها واقسمت بكل الايمان المغلظة , لكن طبعا كنت اقصد التدخين في البيت
في الجامعة كل الاقارب يعلمون اني لست هاملا لذلك تغاضوا عن مسالة الدخان فمن يدخن كان عندنا هامل الا الجامعيون فهم مثقفون
في القرية التي كنت اعلِم في كان التدخين جريمة , وخاصة من المعلمين , وكنت أحس أن التدخين ثورة وفشة خلق على الغربة , فكان المدخن ما يعلّم في النهار ويدخن في البيت بالسر بالليل و في البر , وكانه يعمل عملا معيبا , ولم افكر ان اتركه ,رغم كلمات الاستهجان والاستغراب لمن يدخن الخبيث , وما كنت اجرؤ على الجهر به رغم مكانتي الكبيرة عندهم فقد علمت طوال خمسة عشرة عاما في مدرسة واحدة تخرج على يدي العشرات من طلبتها يكنون لي كل ود .
تركنا ديار الغربة وعدنا الى ارض الوطن , لأكمل خدمتي فيها , وفي الاردن التدخين مسموح في المدارس في الفرص وبين الحصص ( اما اليوم فلا) , دخل ولي امر يريد ان يسال عن ولده , كان الرجل سمحا بشوشا وقورا , لمّا رآني تقدم منى مرة واحدة وقال: مش حرام هذه اللحية تتغبر بالدخان يا استاذ , وصدقوني لأول مرة اهتز من الداخل , تركني ومضى ولم انبس ببنت شفة , اثرت هذه الكلمات كثير ولكن ليس لدرجة تركه الى ان جاء يوم:
الزمان: ليلة صيف مقمرة , في شهر آب عام 1993 المكان: على سطح بيت العم كبير العائلة , كنا مجتمعين رجالا ونساء, لتوديع اخي المسافر الى احدى دول الخليج العربي , كان يجلس بجواري عديلي الذي احبه كثيرا , واكن له كل الود والاحترام . مددت يدي وتناولت سيجارة فبادرني بالقول :متى ستقلع عن التدخين ؟ قلت : والله يا اخي ابا الهيثم لم افكر بالأمر حتى يريد الله , قال: اسمع لك مني خروف اذا تركت التدخين , فال احدهم : لن يقدر ! انا جربتها من قبل وتراجعت ,استفزني الامر فقلت : اسمع ابا الهيثم والحاضرون شهود :اذا ستكون هذه اخر سيجارة إن وجدت الخروف في بيتي غدا . قال عديلي : لا اذبحه في بيتي وادعوك والحاضرين . قلت : يا ابا الهيثم الخروف جائزة لي وانا اذبحه وادعوكم , فمن ياكل وحده يغص . قال :لا شرطي ان اذبحه في بيتي . قلت :اذن الغ الاتفاق , واشعلت السيجارة.
انتهت السهرة و عدت للمنزل وقد كبر الامر في راسي وطغى على فكري قلت : لو نفذ الرجل وعده واحضر الخاروف هل ممكن ان انقض الوعد واتراجع مهما قابلت من صعوبات , اذن سأحاول من تلقاء نفسي, وقد كان !!!
اسعد الله اوقات اخي ابي الهيثم وجزاه الله خيرا طابت اوقاتكم
قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏


٧ تعليقات


عن الكاتب

قادح زناد الحروف

التعليقات

طباعة ونشر وتوزيع ، ظهور إعلامي ، ورش أدبية
اشترك بالعدد الجديد من مجلة القلم الورقية للتواصل والاستعلام / 0020102376153 واتساب

اتصل بنا 00201023576153 واتساب

شاركونا الإبداع

جميع الحقوق محفوظة

دار نشر القلم للطباعة والنشر والتوزيع