البيضة والحجر ــ أيها السادة الأفاضل ــ فلم مصري , لعب دور البطولة فيه الفنان الراحل أحمد زكي , يجسد ظاهرة منتشرة , وتزداد انتشاراً يوما بعد يوم في مجتمعاتنا العربية ، لتصبح آفة خطيرة , تهدد كياناتها المهددة أصلا , وتدمر معتقداتها وأفكارها . إنها ظاهرة الشعوذة والدجل , والتي راجت أولا في الأحياء الشعبية البسيطة، نتيجة الجهل والفقر والتشبث بعالم الغيبيات لتغيير والعمري يعيشونه , ثم انتقلت إلى الأوساط المثقفة والمخملية واصبحت برستيجا لها. ملخص الفلم : معلم فلسفة يختار غرفة مظلمة في أحد الأحياء الفقيرة ليمارس بخفة يده وحيَله طقوس الشعوذة والنصب و الدجل , فيدعي انه يفك السحر ويعمل التمائم ويداوي للحمل , ويوفق بين الأزواج المتخاصمين , ويعلم الغيب عن طريق الأسياد من الجان، فيصدقه الناس ويهرعون إليه , باذلين الغالي والنفيس ليحل مشاكلهم
، فيغتني ويصبح من أصحاب الكنوز التي لا تعد .
أفاء علينا الغربٌ من ضمن خيراتهم , وبركات حضارتهم الراقية تلك الفضائيات الهدارة التي تجوب سماء دول بني عرب المجيدة، والتي تجاوز عددها الآلاف , 90% منها قنوات ترفيهية وإعلانية , بالإضافة الى القنوات المسبحة بحمد زعمائها ومديريها ومموليها وموجهيها . أما القنوات الإعلامية والإخبارية والثقافية فتأتي على استحياء كالشاة العرجاء في مؤخرة القطيع، وتعد على أصابع اليد.
ومن يقلّب القنوات الإعلانية , سيلفت نظرَه إعلان تكاد تجمع عليه تلك القنوات على كثرتها , في كل بلدان بني عرب (من ... إلى ) وهو الإعلان التالي ( المعالج الروحاني فلان بن علان يعالج السحر ويطالع الأبراج , ويعلم الغيب ويتنبأ بالمستقبل ويفك السحر والحجب , ويخرج الجان ممن تلبسهم , ويداوي للحمل ويقرّب الرؤوس بالحلال , ويشفي من السرطان وكل الامراض المستعصية) , ثم يضع رقم هاتفه للاتصال .
كثير من المثقفين اعتادوا أثناء تناولهم قهوة الصباح مطالعة الأبراج , التي تفرد لها الصحف اليومية مكانا بارزا بين طياتها , للعالم الروحاني فلان متفائلين بما يجدون أو متشائمين منه , وهو ما يسمى في الإسلام (بالطيرة) وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها في مجالسنا ــ دام فضلكم ــ تدور أحاديث من هذا النوع : الشيخ فلان في البلدة العلانية , ربنا فاتح عليه وكاشف عنه الحجاب , يأمر على الجان فيحققون له ما يشاء , ثم يرْوون قصصا عجيبة عن قدرته ومهارته , في شفاء حالات استعصت على الطب . وإذا ما تتبعت الرواية وحاولت التثبت منها وجدتها رواية سماعية فقط . فتسمع مثلا فلان عُمل له عمل ودفن في قبر قديم , استطاع أبو البركات فكّه وإحضاره عن طريق الجنّي الذي طبعا سيكافأ على عمله . فلان تلبسه جنّي , لدرجة أنك قد تسمع أن فلانا تزوج جنية وعلانة تزوجها جني , وقد يصل خيال البعض لحد الإنجاب . فالشيخ المكشوف عنه الحجاب استطاع إخراج الجني , وطرده إلى من جسد الملبوس , كل ذلك طبعا بمقابل مادي أو غير ذلك , وفهمكم كفاية بلاش نخوض في تفاصيل قصص راحت ضحيتها فتيات بريئات . جاءني مرة صديق من بلدة مجاورة , وطلب مني أن أذهب معه إلى شيختي بلدتنا (مشهور بعمل التمائم والاحراز) , فوالداه مختلفان ووصلا الى طريق مسدود , وقد سمع عن هذا الشيخ أنه يفك السحر ويعمل حجبا للتوفيق بين الأزواج . قلت : يا صديقي! أنا أشك في سيرة الرجل كلها , وهو على خلاف مع أهل بيته فهو جارنا , فكيف يوفق بين الناس , وعبثا حاولت ولكن دون جدوي , وأخيرا ذهبنا , والطريف في الأمر أن الوالدين انفصلا , فقلت له : أرأيت ؟ هذا الرجل مشعوذ , قال : الظاهر نحن لم نمْش حسب تعليماته .
هناك معتقدات تسللت إلى عقول العامة نتيجة الجهل , ثم أصبحت بمرور الوقت حقائق لا يمكن إقناعهم بزيفها , أصلُها من المشعوذين والدجالين , ففي الأسواق تجد خرزة زرقاء على شكل عين , تُشتَرى وتعلّق في رقبة الطفل , او على الركوبة منعا للحسد . ومعتقد آخر أن فلانه لها قرينة من الجن تقتل أولادها , إلا إذا جمعت من عند كل فتاة بكر اسمها فاطمة قرشا , ثم تصاغ هذه القروش إسورة يلبسها المولود الجديد .
تعرفون ــ يا سادة ــ أن الطب في بلادنا مهما بلغ من التقدم , يبقى عاجزا أمام بعض الأمراض المستعصية , فيجد هؤلاء المشعوذون والسحرة والكذابون ضالتهم في اجتذاب هذه الفئة من الناس بأساليبهم الخبيثة , وحيلهم وألاعيبهم المتنوعة , التي كثيرا ما تنطلي على هؤلاء البسطاء , فيصدقون ويدفعون .
يشكو بعض الناس آلاما مبرحة في الساق , فيقال لهم هذا اسمه عرق النسا , ويوصف لهم معالج روحاني يذهبون اليه , فيقوم بعملية كي في مناطق محددة من الساق , والتي قد تُحدث مضاعفات لا تُحمد عقباها . إلى هنا قد يكون الأمر مقبولا , ولكن الذي ليس بمقبول أن يا خذ المعالج مقاس الساق . ثم يقول لك إنه سيذهب لقطع جذر نبتة معينة بطول ساق المريض , ويعلقها عنده وبمجرد جفافه يبرا المريض , اتساءل وقد سمعتها من أكثر من واحد , أتساءل : ما علاقة ساق المريض بجذر النبتة . عجبي !! معتقد آخر يقول :إذا ظهرت عند أحدهم ثآليل في جسمه : أحضر حبة باذنجان ثم اغرز فيها بعدد الثآليل التي في جسمك حبات من الشعير البلدي , وادفنها في الأرض وبعد سبعة أيام تذهب الثآليل , ولن تعود تراها , وطبعا إذا لم تذهب يجد المبررات , ولا يقتنع بزيف هذا الراي .
الشاهد أيها السادة من هذا الكلام أن الكثير من الناس عندهم الاستعداد الفطري لقبول الشعوذات , فلا يجد المشعوذ صعوبة في الوصول إلى عقولهم . الطامة الكبرى ــ دام فضلكم ــ تسمعون بمرض الصرع ــ وقاكم الله السوء ــ , هو مرض يصيب جزْءاً من الدماغ المتحكم بالحركة , فيقع المصاب على الأرض في أي وقت , يتشنج ويرغي ويزبد فيتناقل الناس أخباره , ويتوصلون إلى أن جنيا سكن جسمه , وأن الشيخ الفلاني أو العالم الروحاني العلاني ربنا فاتح عليه , يستطيع إخراج الجني منه فيذهبون به اليه فيمارس عليه الوان التعذيب والضرب بحجة إخراج الجني , وقد يصل الأمر حد الموت كما حصل عندنا قبل سنوات , إضافة إلى الفتاة التي اعتدي عليها واغتصبت لطرد الجني الكافر منها .
في تقرير بثته العربية نت عن الشعوذة في الجزائر , كمثال على انتشارها في بلاد المغرب العربي , وهذا لا يعني قلة انتشارها في المشرق وبنفس الحجم . يقول التقرير : برغم الجهود الحثيثة التي يبذلها الأئمة والوعاظ والمثقفون , على اختلاف فئاتهم في الجزائر , لتوعية المجتمع لعدم الذهاب إلى "المشعوذين والدجالين" إلا أن الآفة تنمو حتى تجاوز عدد الذين يرتادون بيوت المشعوذين من الجنسين الـ8 ملايين ، أي ما يعادل ربع عدد السكان . والتقديرات تتحدث عن عشرات الآلاف من المشعوذين في طول البلاد وعرضها ، يزورهم الملايين بـ ''إدمان'' وبخاصة النساء . ولبعض المشعوذين شهرة جعلت البعض يقطعون مئات الكيلومترات بحثا عن مشعوذ سمع بـ ''كفاءته''، ويقضون ساعات بانتظار دورهم ، جالبين معهم الأموال والهدايا والحلي .
من أكثر أنواع "الشعوذة شيوعا في الجزائر، سحر المحبة ''التولٌّة''؛ إذ كثيرا ما تلجأ العوانس لهذا اللون من السحر للظفر بعريس محدد ، كما تلجأ إليه الزوجات اللواتي يساورهن الشك في حب أزواجهن لهن . ولا تتردد الزوجات في وضع العقاقير المختلفة في طعام أزواجهن وشرابهم , تنفيذا لتعليمات المشعوذين , ولو أدى ذلك إلى إصابتهم بالمرض جراء تناول هذه العقاقير . وقد انتشر هذا النوع من السحر في السنوات الأخيرة مع انتشار العنوسة التي فتكت بملايين الفتيات . وانتشرت قصص كثيرة عن اكتشاف صور فتيات داخل قبور , وكذا تخييط أفواه موتى وبداخلها مثل تلك الصور .
أما الأخطر مما سبق انتشار السحر الرامي إلى إيقاع الأذى بالآخرين وتدميرهم ؛ حيث لا يتوانى ذوو النفوس المريضة ، عن اللجوء إلى المشعوذين لإلحاق الأذى بخصومهم ؛ كأن تطلب فتاةٌ من مشعوذة أن تسحر غريمتها حتى لا تتزوج ، فتسعى لأخذ قطعة من أغراضها الخاصة ، كمنديلها أو صورتها لتدفنها في أحد القبور فتدفن ''سعدها'' أو حظها معها.
اقول : يا أيها الأحبة : خلق الله سبحانه الجان من مادة غير مادة الإنسان , والإنسان الوحيد الذي سلطه الله على الجان وحكمهم ؛ هو نبي الله سليمان عليه السلام بدعوته : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) فليس لأي إنسان السيطرة على الجان , قد يوسوس الشيطان لبني البشر ببعض القول، أما أن يتلبس الجان به , ويحصل بينهما تزاوج فهذا ما لا يمكن حدوثه . هل يمكن أن يحصل تزاوج بين صقر وعنز , وتنجب منه , وهكذا الحال بالنسبة للجان وبني البشر . الجان قد يوسوس للإنسان أما أن يسكنه فهذا ما سمعنا به في آبائنا الأولين , إل غول تأبط شرا , و ملحمة سيف بن ذي يزن ؛ وهي ملحمة عربية أغلب فصولها من نسج الخيال .
هل سمعتم ــ دام عزكم ــ مثلا ان رجلا من بني الأصفر لبسه جني , لماذا نحن فقط بني عرب , أم أن الجان الخبيث يجد فينا ما لا يجده في غيرنا من خفة دم وجمال . ولكن اقول : إذا تخلّفت الأمم فإنها تتخلّف في كل نواحي الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية . فتكثر الخرافات والخزعبلات . طابت أوقاتكم

شكرا لمروركم لا تنسوا متابعة المدونة ومشاركة نصوصكم على صفحاتكم ومواقع التواصل كافة